عمر فروخ

215

تاريخ الأدب العربي

والأثاث والديانات والمذاهب والموت ومظاهر الطبيعة والملائكة والجنّ وغير ذلك . ويلفت النظر في هذا الكتاب فصول تتعلّق بالمجون صريحة جدّا ، مع إشارات مماثلة في ثنايا الكتاب كلّه . ولا ريب في أن ذلك يكشف عن جانب من البيئة التي عاش فيها الراغب الأصفهاني . 3 - مختارات من آثاره - من مقدّمة محاضرات الأدباء : وبعد ، فإنّ سيّدنا « 1 » عمّر اللّه بمكانه مرابع الكرم ومجامع النعم أحبّ أن أختار له ممّا صنّفت من نكت الأخبار ومن عيون الأشعار ومن غيرهما من الكتب « 2 » فصولا في محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء يجعله صيقل الفهم ومادّة العلم . ففعلت ذلك إيجابا له ، إذ قد جعل مراعاة الأدب شعاره ودثاره « 3 » ومحاماة الفضل إيثاره واختياره ، وجعل زمام حسبه بكفّ أدبه ، وسلك في زماننا طريقا قلّ سالكوه - طرق العلاء قليلة الإيناس ! - . وقد ضمّنت ذلك طرفا من الأبيات الرائقة والأخبار الشائقة ، وأوردتّ فيه ما إذا قيس بمعناه فانّه ظرف ملىء ظرفا « 4 » ووعاء حشي جدّا وسخفا : من شاء وجد منه ناسكا يعظه ويبكيه ، ومن شاء صادف منه فاتكا يضحكه ويلهيه . . . . . وأعوذ باللّه أن أكون ممّن مدح نفسه وزكّاها فعابها بذلك وهجاها ، وممّن أزرى بعقله إعجابه بفعله ؛ فقد قيل لا يزال المرء في فسحة من عقله ما لم يقل شعرا أو يصنّف كتابا . وأولى من يصرف همّته إلى مراعاة مثل هذا الكتاب من تحلّى بطرف من الآداب فيصير به طليق اللسان ذليق البيان . . . . ومن لا يتحلّى في مجلس اللّهو الّا بمعرفة اللغة والنحو كان من الحصر صورة ممثّلة أو بهيمة مهملة . ومن لا يتتبّع طرفا من الفضائل المخلّدة على ألسنة الأوائل كان ناقص العقل . فالعقل نوعان : مطبوع ومسموع ؛ ولا يصلح أحدهما الّا بالآخر .

--> ( 1 ) . . . ( 2 ) - من كتب الراغب الاصفهاني . ( 3 ) الشعار : لباس يلبس على البدن مباشرة . الدثار : ما يتغطى به الانسان طلبا للدفء . ( 4 ) راجع وصف الكتاب للجاحظ ( ديباجة كتاب الحيوان ) . الظرف : الوعاء . الظرف : الكياسة في مخاطبة الناس ومعاشرتهم . الحصر : صعوبة النطق بالكلام المنطوي على معنى .